ما وراء الباب
في طريق عودتي من العمل بالأمس، كنت أركب الحافلة، تلك التي لا تهدأ عجلاتها ولا يعير سائقها اهتمامًا لقوانين الفيزياء أو حتى للأرواح المتشبثة بمقاعدها. توقّفت الحافلة أخيرًا عند محطتي، أو هكذا ظننت. تقدّمت نحو الباب بخطوات واثقة كعادتي، متوقعة أن يهبني السائق ثوانٍ من الرحمة ليُبطئ سرعته قليلًا، لكن لا! عندنا في مصر، يبدو أن التباطؤ في القيادة خيانة، أو ربما تضييع لهيبة السائق.
وفي لحظة، وجدت نفسي خارج الحافلة أسرع مما خططت. قدماي لم تلامسا الأرض كما كنت آمل، بل كانت الأرض أسرع في احتضاني. اصطدم رأسي بحدة، لكن قبل أن أستوعب الأمر، نهضتُ كمن انتفض من حلمٍ مزعج.
لا أعرف كيف حدث ذلك... ربما كان الخوف من أن أكون "المشهد اليومي" للركّاب. تلك النظرات الفضولية التي تصيبك بقشعريرة الإحراج أسرع من السقوط نفسه. نهضتُ، رتّبتُ ثيابي وكأن شيئًا لم يحدث، أكملتُ طريقي بثبات مُصطنع.
كنت أشعر بدوار حقيقي، لكن كبريائي لم يسمح لي بطلب المساعدة، فأكملت طريقي وكأن شيئًا لم يحدث.
عندما عدتُ إلى المنزل، رميت نفسي على السرير بشكل درامي، وكأنني أخيرًا حصلت على ما كنت أحلم به منذ أن استيقظت.
غططت في نوم عميق، وكأن جسدي قرر أن يهرب من كل تعب يومي الطويل. لكن شيئًا ما لم يكن عاديًا هذه المرة.
ما هذا؟ أين أنا؟
فتحتُ عيني ببطء، لأجد نفسي في مكان لم تره عيناي من قبل. غرفة بيضاء واسعة للغاية و ممر طويل أبيض اللون.
كل شئ تقريبا كان باللون الأبيض الممر، والباب، والسقف. نسمات هواء لا أعرف من أين تأتي. كل شيء ساكن، كل شيء غريب... هنالك خوف في قلبي.
أدرتُ بصري بحثًا عن إجابة، فوقع نظري على باب أبيض يقف وحيدًا وسط هذا الامتداد اللامتناهي. الباب مغلق، يبدو كأنه ينتظرني وحدي.
لم أتردد، شعور غريب يجذبني نحوه. خطواتي كانت خفيفة، كأن الأرض ترفعني بلطف. كلما اقتربت من الباب، شعرت وكأنه يناديني.
وصلت أخيرًا، مددت يدي لأمسك بالمقبض، قلبي ينبض بسرعة، تساؤلات عديدة تتلاطم في رأسي... "ماذا يوجد خلف هذا الباب؟"
سمعت صوت رجل خلفي...
كان الصوت هادئًا لكنه واضح، كأنه يتردد في أرجاء المكان بلا صدى. تجمدتُ في مكاني لثوانٍ، ترددتُ بين الالتفات نحوه أو المضي قدمًا نحو الباب الأبيض المغلق.
"لا تفتحي الباب..." قالها الرجل بصوت منخفض لكنه حازم.
التفتُّ ببطء، لأجد رجلاً يقف على بُعد خطوات مني. كان طويل القامة، يرتدي معطفًا أسود يُلامس الأرض. وجهه غامض، ملامحه غير واضحة وكأن الضباب يُخفيها عني.
"من أنت؟ وأين أنا؟" سألتُ بصوت مرتجف.
لم يُجب، بل أشار بيده نحو الباب وقال:
"بعض الأبواب لا يجب فتحها... حتى وإن كانت تُناديك."
شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي. نظرتُ إلى الباب مرة أخرى، فوجدته قد بدأ يُصدر ضوءًا خافتًا كأنه يتنفس. شيء ما بدا حيًّا في هذا المكان، شيء لا أفهمه. ثم صوت طرق، وضرف قوي علي الباب. كان أحد من الداخل يحاول تحطيمه.
صوت ارتطام وتكسير عنيف اخترق سكون المكان. انتفضتُ فجأة، فتحت عيني بارتباك، ووجدت نفسي في غرفتي.
لحظات من الارتباك تخللتها محاولة فهم ما حدث، ثم أدركت أن الصوت كان قادمًا من المنزل المجاور لنا. يبدو أنهم كانوا يقومون بترميمه. الصوت كان قويًا، لكن لا شيء غير عادي، مجرد أعمال بناء وترميم في الجوار
همست لنفسي بصوت مرتعش. لكن السؤال ظل عالقًا في ذهني
أكان ذلك حلمًا حقًا؟

تعليقات
إرسال تعليق