عندما تمتلك الأرض روحا

 








في عام 3025، ضرب كوكب الأرض فيروس خطير لا يعرف أحد ما إذا كان قد صُنع معمليًا أم أنه نتيجة أفعالنا نحن البشر. في الحقيقة، دعوني أطلعكم على أمر: نحن نستحق هذا المصير. أنتم لا تدركون مدى الدمار الذي سببناه. بعد الحرب العالمية التي اندلعت بين روسيا وأمريكا، استخدم الطرفان أسلحة نووية أحدثت ثقبًا في الكوكب. ومع ذلك، ظل الكوكب صامدًا حينها... لكن يبدو أنه سئم منا.


لقد تحمل كوكب الأرض حماقاتنا لقرون، لكنه الآن يُظهر غضبه في صورة فيروس غامض يفتك بالبشر. لم يفرق بين غني وفقير، عالم أو جاهل. يقتل أجسادنا لكنه يُبقي علينا أحياءً... خاويي الروح، كأننا دمى تسير بلا هدف. أطلقوا عليه اسم "الفراغ"، لأنه يمحو كل إحساس بالحياة من داخلك قبل أن يسلبك جسدك. يجعلك تسير كروح هائمة، بلا ذرة تفكير في عقلك.


-----


المذكرات، العاشر من ديسمبر 3025

في تلك الأثناء، اكتشف بعض العلماء كوكبًا آخر صالحًا للحياة. لكن، وكما تعلمون، البشر لا يكفون عن الأنانية. لم يخبروا الجميع بالطبع؛ كانوا يريدون أن يصنعوا الأرض المثالية لأنفسهم فقط. وبأنانيتهم وغطرستهم هذه، لن يصلوا إلى تلك المثالية أبدًا.

أخبروني بالأمر لأنني عالمة مختصة في علم اللغات. هم لا يتركون أصحاب العلم ومن يمتلكون مواهب قد تفيدهم يومًا. من المقرر أن تبدأ السفينة الفضائية في الإقلاع بعد يومين. أشعر بحماسة شديدة، لكنني أيضًا متخوفة مما سيأتي.


-----


اليوم السادس عشر من ديسمبر 3025

بدأت السفينة في الإقلاع، تاركين وراءنا أناسًا أبرياء. نعم، نحن أنانيون، أعلم ذلك. لكن لا تلوموني، أرجوكم. إنها غريزة البقاء. أنتم لا تعرفون ماذا فعل بنا هذا الفيروس. ليت الأمر كان كجائحة كوفيد-19 التي عاصرها أجدادنا، لكنه لم يكن كذلك.


عندما ارتفعت السفينة وغادرنا الغلاف الجوي، بدا المشهد ساحرًا. الأرض، ببحارها الزرقاء وغيومها البيضاء، كانت خلفنا، تبدو هادئة لأول مرة منذ سنوات. شعرت بشيء يشبه الندم. لم أترك وطني هذه المرة، بل عالمي. ذلك الثقب النووي اللعين كان بداية النهاية. لطالما أحببت الأرض، لكنها تستحق كائنات أفضل منا.


-----


لا أعرف الآن الوقت أو التاريخ، لكن كإشارة تقريبية بتوقيت الأرض، مضت ثلاثة أيام منذ مغادرتنا. وصلنا إلى كوكب "الخلاص". كوكب يبدو خاليًا، لكنه يشبه أرضنا الحبيبة إلى حد كبير

كان المشهد أشبه بلوحة زيتية تتوهج بألوان هادئة. سماء زرقاء صافية، أراضٍ خصبة تمتد على مد البصر، وأشجار غريبة الشكل تتمايل مع نسيم لطيف. كل شيء بدا كما تخيلوه تمامًا... جنة جديدة.


لكن الصمت كان مدويًا. وبينما انشغل الآخرون بنصب الخيام، شعرت بعدم ارتياح غريب. بقيت على الهامش أراقب. كخبيرة لغات، لم تكن هناك حاجة لي بعد. قالوا إنهم سيحتاجونني لاحقًا لأنهم يريدون لغة واحدة تجمعنا. لم أعلق؛ فأنا فقط أريد أن أعيش.


----


المذكرات

بعد أيام قليلة، بدأت الأمور تأخذ منحًى غريبًا. أحد العلماء، وهو خبير في علم الجيولوجيا، قال إنه سمع أصواتًا تأتي من باطن الكوكب. "إنها تشبه نبضات"، قالها بصوت مرتجف. تجاهلناه جميعًا، معتبرين أنها مجرد هلوسات بسبب الإرهاق.


لكن الليلة الماضية، بينما كنت مستلقية في خيمتي، سمعت شيئًا. لم تكن أصواتًا عادية، بل همسات واضحة داخل رأسي: "ماذا تريدون؟"

كانت بلغة لا أعرفها، ولم أتحدث بها من قبل، لكنني فهمتها وكأنها جزء من عقلي.


-------


اليوميات

اليوم، لا أعرف أي عام نحن، ولا إذا كنا في الليل أو النهار. حذرتهم مما سمعته، لكنهم تجاهلوني، بل اتهموني بالجنون.

لكن الكوكب لم يكتفِ بإخباري، بل أراهم قوته. هذه الأرض ليست جمادًا بل كائن حي واعٍ، يشعر ويفكر. لم يكن يريدنا هنا. لم يكن غاضبًا فقط... بل كان خائفًا.


بدأ الكوكب يظهر غضبه تدريجيًا. النباتات التي كانت تبدو مسالمة بدأت تهاجم المعدات. التربة الخصبة التي كانت واعدة أصبحت غير مستقرة، تبتلع كل شيء نزرعه.

حذرتهم ألا يبدأوا بالبناء، وألا يغيروا من طبيعة الكوكب. عليهم أن يتركوه على حاله.


والآن، تمطر السماء زجاجًا وأحجارًا ساخنة. أدركت أننا أدوات دمار وهلاك، وأن كوكب "الخلاص" الذي كنا نظنه أملنا الأخير أصبح وسيلتنا للفناء.


أصبحتُ الآن وسيلتهم الوحيدة للتواصل مع الكوكب. فهو لا يتحدث سوى معي. ولا يريدني أن أقول لهم شيئًا سوى: "لا تنسوا أبدًا أنكم من بدأ هذا الدمار."


في عام 5055، وجد العلماء هذه المذكرات على كوكب الأرض.

تُدرس الآن لفهم كيف عادت إلى هنا، وما الذي حدث لأولئك الذين تركوا الكوكب.

لكن المؤكد هو أن كوكب الأرض الآن معافى، لا تشوبه شائبة.



تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة